قدمنا في القسم السابق تعريفًا تقنيًا للامركزية وذكرنا عددًا من التطبيقات التكنولوجية اللامركزية والموزعة. ونناقش في هذا القسم الأسس المنطقية خلف اختيار معماريات فنية أكثر لامركزية على حساب المعماريات الأكثر مركزية. أولًا، نبدأ بمخاوف متعلقة بعلم الحاسوب والهندسة. وسنلقي بعد ذلك نظرة على كيف تتوافق هذه الاعتبارات التقنية أساسًا مع اعتبارات اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية معينة، وكيف تدعم التركيبات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية اللامركزية أو حتى الموزعة بالكامل.

 

أمن المعلومات

يوجد عدد من الحوافز للامركزية التي تنبثق من هندسة أمن المعلومات. ومن المفهوم أن طوبولوجيات الشبكات اللامركزية بشكل راديكالي أكثر مرونة والسبب (كما ناقشنا في الجزء السابق) عدم وجود ”نقطة تعطل مركزية“ مما يعني أن الشبكة ككل لا تعتمد على أية عقدة وحيدة. وفي حال استهداف عقدة واحدة، ستواصل بقية الشبكة العمل كما هو مطلوب منها. ويمكن استخدام طوبولوجيات الشبكة الموزعة لتحقيق الخصوصية ومقاومة الرقابة والتوفر وتكامل المعلومات وخصائص أمن المعلومات. ويتوجب على الحركة في طوبولوجيات الشبكة المركزية أن تجري من خلال خادم محدد يمنح من يتحكمون ويملكون نفاذًا على ذلك الخادم صلاحيات مهمة لمراقبة الحركة أو التلاعب بها أو قطعها (ترونكوزو وآخرون، 2017). ويمكن للتوزيع أن يعزز الخصوصية ومرونة الرقابة عبر ضمان عدم الاحتفاظ بالبيانات والسيطرة عليها من قبل طرف ثالث (دياز وآخرون، 2008؛ ترونكوزو وآخرون، 2020). ويمكن استخدام بعض الطوبولوجيات اللامركزية في "استراتيجية فصل" (هويبمان، 2014)، وهي واحدة من استراتيجيات تصميم تعزز الخصوصية، وذلك عن طريق معالجة البيانات داخليًا على أجهزة المستخدم النهائي أو عن طريق تقسيم البيانات عبر عقد متعددة وإعادة تجميعها فقط من قبل المتلقي المقصود. وتزيد درجات اللامركزية الأعلى أيضًا من تكلفة مراقبة حركة الشبكة لأن هناك عقد أكثر من شانها أن تحتاج للخضوع للرقابة. ويمكن لذلك أن يساهم بالتالي في القيام بالاتصال بشكل مجهول أو متنكر (ميكلجون وآخرون، 2013). كما يمكن استخدام اللامركزية أيضًا كاستراتيجية لتحسين التوفر. يتم ذلك عن طريق نسخ البيانات عبر العقد المتعددة بدلاً من إبقائها على خادم واحد، فيمكن لتلك البيانات أن تكون متوفرة حتى وإن كانت بعض العقد غير متصلة بالإنترنت. ويمكن استخدام اللامركزية كأسلوب لضمان تكامل المعلومات وأمنها لأن المعلومات ستكون محفوظة عبر أجهزة مختلفة متعددة وموثقة وموجهة من خلال تلك الأجهزة.

تزداد العديد من مزايا التصميم الأمني هذه للطوبولوجيات اللامركزية والموزعة مع زيادة حجم الشبكة. وعندما تكون هناك عقد أكثر، يصبح من الصعب على نحو متزايد بالنسبة لأي شخص أن يتحكم بما يكفي لمهاجمة الشبكة. وبالتالي نجد أن هندسة أمن المعلومات، في سياق الشبكات اللامركزية والموزعة، غالبًا ما تركز على "سقوف التحمل"، بما معناه عدد العقد في الشبكة التي من شأنها أن تضطر "للتآمر" من أجل مهاجمة الشبكة (على سبيل المثال، تحمل الأخطاء البيزنطية). لكن هذه المزايا المحتملة للامركزية تعتمد كليًا على تصاميم أنظمة محددة ودرجة اللامركزية. وكما جادل ترونكوزو وآخرون (2017)، في حال تطبيق اللامركزية بسذاجة، فقد تضاعف من إمكانيات الهجمات. وبناء على تصميم الأنظمة اللامركزية، قد تكون المعماريات الموزعة بشكل خاص أسوأ أيضًا من حيث التوفر وتكامل المعلومات. ومن دون خادم مركزي، قد لا تكون هناك رؤية واضحة أو ضمانة أن ملفًا معينًا متوفر. وعلى سبيل المثال، لبروتوكول DAT (https://www.datprotocol.com/) للشبكات الموزعة ميزة أن يكون داخليًا أولًا وأن يمنح إمكانية السيطرة وتحقيق أمن المعلومات عن طريق تقديم المحتوى مباشرة من أجهزة الناس الفردية. وفي حال كان شخص غير متصل بالإنترنت، فإن المحتوى الذي يخدمه سيكون غير متوفر ما لم يتم الترتيب لغير ذلك. وقد يكون هذا عبارة عن خاصية أو خلل حسب تصميم النظام والمتطلبات الأمنية. بالتالي، تتطلب الأنظمة الموزعة أن ترسي أنماطًا للتفاعل والاستخدام مختلفة عما تم إرساؤه لشبكات الخادم – العميل التقليدية (فاغنر وآخرون، 2020)، أو حتى معماريات مركزية كثيرة.

 

السلطة

العلاقة بين النقاشين التقني وغير التقني حول مزايا اللامركزية متسم بالإلهام المتبادل. واستمد أولئك الذين صمموا معماريات التكنولوجيا اللامركزية معلوماتهم من التاريخ والنظريات الاجتماعية والسياسية والمخيلات والأيديولوجيات التقنية الاجتماعية (بونتون، 2019؛ غولومبيا، 2016؛ روزاك، 1969؛ سفارتز، 2018؛ تيرنر، 2006)، وعُرضت الأنظمة التقنية اللامركزية والموزعة بدورها على أنها نماذج لأشكال بديلة للمنظمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على أمل مواجهة مخاوف القمع السياسي أو عدم المساواة الاقتصادية أو تباينات القوى الموجودة للتفاعلات الاجتماعية (بريكي، 2020؛ اريكسون وآخرون، 2015؛ رييرز وكويكلبيرغ، 2018). أقام بعض مشغلو خدمة مشاركة ملفات الند للند Peer to Peer، مثل مشغلي Pirate Bay، كفاحهم المناهض لحقوق النشر على طبيعة بروتوكول BitTorrent المقاومة للرقابة. وكان لدى ناكاموتو، مخترع (أو مخترعي) عملة بتكوين، هدف واضح وهو إزالة البنوك المركزية والتجارية من موقع الوسيط الذي تحتله في التعاملات المالية. ونجد أن شبكة تور مصممة (جزئيًا) لتقديم طريق للهروب من رقابة الإنترنت ومراقبة الدولة.

غالبًا ما يؤطَّر انقسام المركزية / اللامركزية من حيث تباينات القوى في معناه الأكثر عمومية. والتخوف الأكبر لدى الفكر التحرري واللاسلطوي هو إساءة استخدام السلطة السياسية أو الاقتصادية المولودة من ظروف وتجارب محددة وتاريخية (بواز وبواز، 2015؛ غرايبر، 2004). كان لهذه المخاوف تأثير بارز على تاريخ الأنظمة التقنية اللامركزية والموزعة وعلى تصاميم تلك الأنظمة (بريكي، 2020). فبعض الشبكات الموزعة مصممة لكي تُعارض قصدًا التركيبات السلطوية القائمة مثل مشاركة ملفات الند للند في حال حقوق النشر، أو تور في حال الرقابة. أما أشكال التنظيم التقني والاجتماعي الأخرى الموزعة مثل الشبكات اللاسلكية المتداخلة، والتعاونيات الرقمية، وتطوير برمجيات المصدر المفتوح، وشبكات مشاركة موارد الند للند، والمنظمات المستقلة الموزعة وشتى أشكال التمويل الجماهيري) فتقدم بدائل أو أشكالاً تنافس حالات قائمة للتعاون الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بطريقة غير صدامية (ينغ، 2019). بالتالي، تجد التكنولوجيات الموزعة مكانًا لها في تاريخ أكبر من الصراعات (فوكو، 1979؛ سعيد، 1986؛ جي سي سكوت، 1985)، تكون السلطة فيها محدودة وتواجه باستمرار منافسةً ونَفْيًا من خلال مختلف الممارسات المناهضة (في هذه الحالة التقنية الاجتماعية) والنزاعات وطوباويات تتضمن هروبًا من الواقع (جي سي سكوت، 1990).

يبدو أن هناك إفراطًا في التفاؤل يتجلى في ادعاء الكثير من دعاة اللامركزية (مثل بعض المتطرفين لصالح سلسلة الكتل، والمتحررين التقنيين) بأن أشكال التنظيم اللامركزي أو الموزع أو غير الهرمي يمكن أن يزيل، أو بالفعل سيزيل تركيبات السلطة القائمة داخل المجتمع. على سبيل المثال، نادرًا ما تكون الشبكات الموزعة منيعة تجاه الديناميكيات التي تخلق مناصب السلطة في أشكال أخرى من التنظيم (أي سلطة الإقصاء، ولكن أيضًا وضع القواعد والحد من الخلافات). وحتى لو بدأت شبكة بتصميم موزع وبروتوكول متوافق، يمكن للسلطة أن تتراكم في كل من البُعدين الفني والاجتماعي. ويمكن للعقد التقنية أن تتمتع بأفضليات من خارج النظام (مثل كهرباء أرخص في شبكة بتكوين أو اتصال أفضل)، وهو ما يمكن تعزيزه في حال فضّل البروتوكول المنتجين في شبكة على حساب المستهلكين. على سبيل المثال، تفضل القواعد التفضيلية في شبكتي BitTorrent وتور العقدَ ذات النطاق العريض الأعلى التي تقدم اتصالًا لمستهلكي النطاق العريض المتعاملين في الشبكة. وفي شبكات سلسلة الكتل، تتم مكافأة المعدّنين (الذين يضمنون الأمن في الشبكة) من قبل الأطراف التي تتبادل المعاملات (مستهلكي الخدمة). تنقل هذه الديناميكيات الموارد والسلطة إلى المنتجين. ويمكن توجيه بعض هذه التدفقات على مستوى البروتوكول عندما تختار مشاريع سلسلة الكتل -على سبيل المثال- خوارزميات ضد تراكم السلطة من قبل أولئك القادرين على استخدام الأجهزة المبنية لغرض التعدين ASIC-resistance. لكن تغييرات مثل هذا البروتوكول لا تلقي الضوء إلا على إشكاليات السلطة في البعد الاجتماعي للشبكات اللامركزية. وتتطلب التغييرات على البروتوكول في الحد الأدنى إطارًا من التنسيق واتخاذ القرار والذي قد يتراوح من القيادة ذات الكاريزما عبر حكم الفرد الأجدر إلى الديمقراطية المباشرة. وحتى في الحالة الأخيرة، بعد حد معين، تميل السلطة إلى التراكم في أيدي من يملكون ما يكفي من السمعة ورأس المال الاجتماعي والوقت وغيرها من الموارد للمشاركة في عملية الحوكمة. نجد باختصار أن طوبولوجيات شبكات معينة (مركزية أو موزعة) نادرًا ما تلتقط بالكامل كيفية تدفق السلطة فعليًا من خلال تلك النماذج. علاقات السلطة في الحقيقة متعددة الأبعاد ومتعددة المراكز (فوكو، 2009). وتتقاطع الأشكال والموارد المتعددة للسلطة مع بعضها البعض في كل من الفضاءات الاجتماعية المعقدة وفي الأنظمة التقنية البسيطة بشكل واضح.

 

السياسة

غالبًا ما يفترض من اللامركزية والتوزيع أن تعالجا سوء استخدام السلطة المحتمل من قبل الوسطاء القهريين وذلك من خلال إزالة الوساطة. ويُعتقد في أوساط بعض المجتمعات أن إزالة الوساطة الفنية تمثل أيضًا أسلوبًا للنأي عن السياسة. وحسب هذا الافتراض، لو ضمنت الشبكات الموزعة "عدم التنسيق القهري"، فلا حاجة إلى الحوكمة السياسية أصلًا. يستدعي مصطلح ”اللامركزية“ مفهوم النظرية المؤسسية [في علم الاجتماع]، في الغالب للإشارة إلى التكاليف ونادرًا إلى مزايا الوسطاء ذات الامتيازات في شبكة من العلاقات. ويعتقد أن إزالة الوسطاء القادرين على التحكم أو الرقابة أو فرض الضرائب أو القيود أو دعم التفاعلات الاجتماعية أو الاقتصادية المعينة أنها ستؤدي تلقائيًا إلى مزيد من الحرية لدى الأطراف المتعاملة وأنواع التعامل (بيرنرز لي، 2019). لكن هناك سبب من ظهور الفاعلين في الوساطة المركزية وهو أنهم يقدمون قيمة ما: فهم يخفضون تكاليف التعامل وينسقون العمل ويوضحون ويفرضون القواعد المتفق عليها ديمقراطيًا ويصححون الإخفاقات ويحدون من السلبية ويعززون العوامل الخارجية الإيجابية التي لا يمكن للتعاملات الفردية القيام بها (ارو، 1969؛ كواز، 1973). في المقابل، يواجه الأطراف في الأنظمة الموزعة تكاليف التعامل والتنسيق والتي تتنامى أضعافًا مضاعفة (لانغلويس وغارزاريلي، 2008)، ويواجهون كذلك قدرة محدودة على التفاوض بشأن القواعد العامة للتبادل ويواجهون قرارات القبول أو الرفض، وقد ينشئون عوامل خارجية سلبية كبيرة وغالبًا ما ينتج عن ذلك أشكال وساطة جديدة وأكثر مكرًا وخفية (فريمان، 1972). وهذا هو السبب في أن الكثير من الحالات (في الاقتصاد أو النظام السياسي أو شبكات الحاسوب) تسود اللامركزية أو حتى المركزية ولكنها ليست الأنظمة الموزعة.

تعتبر إزالة الوساطة من قبل التكنولوجيات الموزعة في الحقيقة شكلًا من أشكال إعادة الوساطة، فهي استبدال لأحد أشكال الوسيط بآخر. وتشكل الشبكات اللامركزية أطرًا مؤسسية تمكّن التعاملات وتسهلها ضمن قواعدها المعينة وتأتي بتكاليفها ومزاياها الخاصة فيما يتعلق بإطار الخدمات التي تقدمها وعمقها والثقة بها (بودو، 2020). مع الوقت، طورت الكثير من الأنظمة التقنية الموزعة وظائف وقدرات مؤسسية أكثر بروزًا وغالبًا ما تكون أكثر مركزية. فيقدم متعقبو التورنت المغلق بالأصل مزايا غير محسوبة بمقابل شبكة مشاركة الملفات BitTorrent الموزعة والتب تعتمد على الند للند، ومن هذه المزايا ضمان الجودة والقواعد المتبعة وتحقيق توفر أكبر (بودو، 2014). وتنفذ شبكات سلسلة الكتل نماذج حوكمة شكلية وليست موزعة بالكامل، مثل فرض القواعد وحل النزاعات والتحكيم، كل هذا يطبق على بروتوكول السجل الموزع أيضًا (يوروبتشين، 2020). وما زلنا -رغم هذه الجهود- لا نرى جميع وظائف الوسطاء المؤسسيين تُنفذ بطريقة موزعة بالكامل.

 

الاقتصاد

يرتبط تطور الشبكات الموزعة واللامركزية تاريخيًا مع حقل الاقتصاد: فعلى سبيل المثال، تصور اقتصادي المدرسة النمساوية فريدريش فون هايك الأسواق على أنها ”أدوات لمعالجة المعلومات“ وآلية لامركزية لتنسيق الموارد والاحتياجات (ميروفسكي ونك خاه، 2017). لذلك تظهر نماذج الشبكات الموزعة الكثير من فرضيات اقتصاد السوق نفسها، ومنها: العملاء الإقليميين الذاتيين الذين يتفاعلون وحدهم عبر سوق تنافسي مثالي، ولا يستطيع المشاركون أن يبدلوا القواعد بشكل أحادي، والموارد متحركة ولا تكلفة للخروج من الشبكة أو الدخول إليها. ظلت هذه الفرضيات تاريخيًا واجتماعيًا وسياسيًا قوية في الحفاظ على أيديولوجية السوق كآلية تنسيق غير قهرية. لكن الأسواق تتطلب تنفيذًا قانونيًا وأيديولوجيًا بارزًا لتعمل بشكل عملي، وغالبًا ما يكون ذلك بإجبار نظامي جوهري. وكما لاحظ المؤرخون الاقتصاديون، يحاول كل مشارك في سوق تنافسية أن يكون محتكرًا (براوديل، 1992؛ دي لاندا، 1996). ويؤدي استغلال الأفضليات التنافسية إلى إعادة مركزية الأسواق في الاحتكارات. وقد تتصادم العقد من دون فرض آليات حوكمة وقد يكذب الناس على بعضهم البعض، ويمكن للأسواق أن تكون مزيفة ويمكن أن تكون هناك تكلفة كبرى على الناس لدخول الأسواق والخروج منها.

بالنظر إلى ما تقدم، كانت هناك عدة محاولات لتجربة نماذج اقتصادية جديدة قائمة على الشبكات الموزعة. ومن شأن شبكات المعلومات في ثقافات المخترقين والبرمجيات الحرّة / مفتوحة المصدر أن تمكن مشاركة المعلومات بتكلفة تكاد تكون معدومة، وقد تشكل مثل تلك المعلومات، وخصوصًا الرمز المصدري، مجموعة موارد شائعة. كما من شأن مثل تلك المعرفة المفتوحة والمجانية أن تمكن بالتالي أنماطًا موزعة للتقدم وخلق الثروة. لكن الكثير من تلك الجهود استًخدمت لاحقًا من قبل الشركات لتساهم فعلاً في التكنولوجيات التي أصبحت منذ ذلك الحين مركزية بصورة ضخمة (بودو، 2019؛ أونيل وآخرون، 2020؛ زوليك، 2018).

وكذلك، شكل النهج التجميعي Modularity مفهومًا مهمًا في تحليل كيف تمكّن الشبكات اللامركزية والموزعة الأشكال الجديدة من الإنتاج التعاوني (بنكلر، 2006). والمقصود بالنهج التجميعي في الأنظمة التقنية أن كل وحدة مسؤولة عن مَهمة معينة وتستدعي مساعدة الوحدات الأخرى (لتأدية مهام أخرى) من خلال واجهة برمجة تطبيق معرّفة بوضوح. ويمكن تطوير الوحدات بشكل مستقل أكثر أو أقل عن بعضها البعض. ومن الأمثلة الكلاسيكية على تلك الوحدات المكتبات التي تشكل جزءًا من نظام التشغيل أو أدوات تطوير البرمجيات. وقد أثار نمو الويب تطوير خدمات الويب التي يمكن أن تعتبر وحدات "بعيدة". وبدلًا من حاسوب واحد يشغل نظامًا بأكمله بما في ذلك جميع وحداته، يعتمد النظام الآن على تنفيذ مهامه عن بعد عن طريق خادم آخر. وقد نمت الكثير من أنظمة خوادم العملاء (والتي تعتبر خلاصة الشبكات المركزية) من هذا النموذج. ولكن ينبغي علينا ألا نخلط بين المعيارية والشبكة الموزعة أو اللامركزية. فالفكرة في الشبكات الموزعة ليست تقسيم مهمة أكبر إلى مهام فرعية أصغر ومختلفة تُؤدَّى كل منها من قبل وحدة مختلفة، وإنما تقسيم نفس المهمة إلى الكثير من العقد التي تتعاون جميعها وتنسق لتنفيذها. ويهتم التوزيع بشكل عام في مشاركة الموارد (مثل مساحة التخزين أو قوة الحوسبة) ونادرًا ما يهتم في توزيع المهام.

في النطاق الاجتماعي / الاقتصادي، يمثل تقسيم عملية الإنتاج إلى أجزاء صغيرة تتطلب خبرة قليلة اختراعًا فورديًا / تايلوريًا (بينجر، 1986). وأشار إطار إنتاج النظراء القائم على الشيوع إلى أن مثل ذلك العمل التجميعي يمكن أن يجري أيضًا بصورة طوعية في خدمة الموارد غير المملوكة أو المملوكة والمستخدمة مجتمعيًا وذلك خارج الأطر التقليدية للشركة والسوق (بينكلر، 2006؛ أونيل، 2015). والفكرة وراء إنتاج النظراء تجمع تقسيم العمل والخبرة مع وفرة وتعاون الشبكات الموزعة. وتُشارَك المعرفة عبر الشبكات على أنها شائعة مع إبقاء الإنتاج بطريقة موزعة.

تعتبر مكتبات البرمجيات، التي تُدار كمشاريع مستقلة مفتوحة المصدر، مثالًا واضحًا على النظام التقني التجميعي الذي ينتجه تنظيم تجميعي للعمل، حيث يقوم الكثير من المطورين المستقلين الذين لا يعرفون بعضهم البعض أو يثقون ببعضهم البعض بالضرورة بالمساهمة معاً في نظام شامل. وكما أشار أونيل (2014)، للكثير من العوامل، منها مدى حجم شبكات الإنتاج التجميعي تلك، أثرًا على ما إذا كان يمكن أن تعتبر التجميعية، بصفتها مبدأ منظمًا، فعالة دون تركيبات حوكمة سلطوية رسمية أخرى، والتي في الغالب تكون مركزية.

أثارت تكنولوجيات سلسلة الكتل والسجل الموزع مؤخرًا تجربة جديدة على الأسواق والأفكار الاقتصادية حيث كان المخترقون ومهندسو أمن المعلومات يستعيرون الأفكار من كليات الاقتصاد المختلفة لخدمة أهداف تنظيم الشبكات الموزعة وتمويلها، وقد جاء دافع ذلك من الأيديولوجيات المناهضة للسلطة عبر الطيف السياسي (اتزوري، 2015؛ بريكي، 2020؛ دافيدسون وآخرون، 2018؛ ب. سكوت، 2015؛ زفارتز، 2018). تمتد هذه الجهود من الاقتصاد المشفر حيث تًستخدم المفاهيم الاقتصادية لتحقيق خصائص أمن المعلومات (بريكي والسينيد، 2021؛ بوتيرين، 2017؛ زامفير، 2015) إلى اقتصاد العملة الرمزية Token Economics (فوشغمير، 2019) إلى طرق جديدة من تنظيم الشيوع (روزاس وآخرون، 2018) وأفكار مثل منحنيات الترابط Bonding Curves (بالاسانوف، 2018)؛ تيتكومب، 2020). وعلى النقيض لفكرة الأسواق اللامركزية لهايك، تجارب السوق على تقنيات السجل الموزعة (وكذلك في الجهود لـ"تصميم السوق" من جانب التخصصات الاقتصادية، انظر فرانكل وآخرون (2019)؛ اوساندون (2019)) ينظر إليها مؤخرا ليس على أنها آلية تنسيق مثالية وشاملة، بل زاد النظر إليها أكثر من منظور الهندسة الاجتماعية لتحقيق نتائج سلوكية معينة.

 

 

تمت إعادة نشر هذا المقال من موقع Internet Policy Review وفقاً لرخصة المشاع الإبداعي - Creative Commons، للإطلاع على المقال الأصلي.