يتجاوز مفهوم اللامركزية سياقات وحقول وتخصصات متعددة. ونبدأ هذا النقاش متعدد التخصصات بخصوص اللامركزية بعرض التعريفات التقنية والدوافع للامركزية في هندسة الشبكة. وننتقل بعد ذلك إلى مناقشة الدوافع الأوسع لمثل تلك الشبكات اللامركزية، والتي تمتد لأهداف اجتماعية وسياسية واقتصادية. ولا نقصد هنا مقارنة حالات اللامركزية عبر التخصصات والسياقات بقدر ما نهدف إلى الإشارة إلى أن دراسة اللامركزية التقنية تدعو إلى أشكال اللامركزية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولكن لا تنتج ذلك دائمًا. ويمكن أن نشير إلى تخوف مشترك بين السياقات والتعريفات والاستخدامات المختلفة على نطاق واسع للمصطلح: الاستياء من علاقات السلطة القائمة وإصلاحها، سواء عبرت عنها بمصطلحات تقنية أم اجتماعية.

أثارت الأنظمة التقنية اللامركزية والموزعة بعض الممارسات الاجتماعية والاقتصادية الفريدة. وقد ساهم نجاح بروتوكول مشاركة الملفات BitTorrent بإثارة الحركات السياسية المناهضة لحقوق النشر وحولت ممارسات تجارية متعددة. وتقدم شبكة تور (Tor) (https://www.torproject.org) اتصالات آمنة إلى الأفراد المعرضين للمراقبة أو الرقابة أو الملاحقة القضائية. وخلقت تقنية سلسلة الكتل Blockchain شبكة عالمية من نقل القيمة خارج الأطر المؤسسية القائمة. وكانت مجتمعات متعددة تحت عناوين مثل "web 3.0" أو "re-decentralisation" أو "blockchains" تحاول تنفيذ أنظمة تقنية اجتماعية تكون فيها اللامركزية التقنية مطبّقة للسعي وراء تحقيق أهداف اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية.

ولكن من الناحية العملية، غالبًا ما تنطوي مثل تلك المشاريع وتعتمد على بنى تحتية ممركزة أو آليات لصنع قرار وأثار ناتجة تعتبر مركزية. وليس هذا بالضرورة نقدًا لمثل تلك المشاريع، بل نقول أن تعايش الأنظمة المختلفة من الناحية العملية يقدم فرصة لتطوير تحليلات متنوعة أكثر لخصائص المعماريات التقنية المركزية واللامركزية، ومزاياها وسلبياتها. ونسرد فيما يلي قائمة بدوافع اللامركزية، ولكن نشير أيضًا إلى تلك العوامل التي تكون خفية غالبًا، والتي قد تحد من التطبيق للامركزية كمخطط تنظيمي للتنفيذ مقابل تصور أوضاع بديلة للنظام الاجتماعي.

 

اللامركزية بصفتها طوبولوجية شبكية - التعريف الفني

غالبًا ما تستخدم اللامركزية كمصطلح عام لوصف معماريات شبكية تمتد بصورة أدق من المركزية إلى الموزعة. ومع ذلك، الفروقات مهمة من الناحية التقنية: تحدد طوبولوجيا الشبكات (عقدها وترابطاتها) خصائصها (بوندي ومورتي، 2008). ويميز تصنيف طوبولوجيات شبكة مشار إليها على نطاق واسع بين الشبكات المركزية واللامركزية والموزعة (باران، 1964).

الشكل رقم (1): مختلف طوبولوجيات الشبكة. (باران، 1964).

في هذا المخطط، تصف ”المركزية“ شبكة بعقدة مركزية واحدة (على سبيل المثال، خادم)، أو عنقود من العقد المتصلة بشكل وثيق، وهو متصل بجميع العقد الأخرى في الشبكة (العملاء)، بينما تكون جميع هذه العقد الأخرى متصلة فقط بعقدة مركزية وحيدة. ونتيجة لذلك، في حال فشلت العقدة المركزية أو تعطلت ستفصل جميع العقد عن الشبكة، وتمنعها من الاتصال ببعضها البعض.

ويوجد في الشبكة اللامركزية هرمٌ من العقد، حيث تشكل العقد الموجود في أسفل الهرم بشكل أساسي جزءًا صغيرًا من شبكة نجمية يوصلها بعقدة على مستوى أعلى في الهرم. وتشكل هذه العقد مرة أخرى جزءًا من شبكة نجمية أخرى توصلها بالعقدة التي على المستوى الأعلى التالي في الهرم. ويؤدي فشل عدد قليل من العقد في شبكة لامركزية إلى ترك عدة مكونات للعقد متصلة ستكون قادرة على التواصل مع بعضها (ولكن ليس مع العقد الموجودة في مكوّن آخر).

نجد في الجهة المقابلة من الطيف أن الشبكات الموزعة هي شبكات تكون لكل عقدة فيها نفس عدد الاتصالات تقريبًا (وتسمى حواف) بالعقد الأخرى. ولدى الشبكات الموزعة خاصية إذ يؤدي فشل عدد قليل من العقد (حتى إن كانت مختارة أكثر أو أقل عن قصد) إلى إبقاء الشبكة متصلة، بحيث تسمح لجميع العقد بالاتصال مع بعضها بعضًا (ولو أن ذلك محتمل أن يأتي خلال طريق أطول بكثير من الطريق الذي في الشبكة الأصلية).

وكلما كانت الشبكة موزعة أكثر، كانت أكثر مرونة بشكل عام مع شتى أشكال الاضطرابات ويقل اعتماد الشبكة ككل على أية عقدة وحيدة. ويشير هذا أيضًا إلى أن الشبكة قد تكون أقل اعتمادًا على أي شخص أو شركة أو مؤسسة معينة من شأنها أن تشغل عقدة معينة. وبالفعل، فالحقيقة أن الإنترنت لامركزي، لكنه ليس موزعًا وأصبح مثار جدل فني كبير لسبب قدرة الحكومات وشركات التكنولوجيا على فرض سيطرة عليه أكثر مما كان رواد الإنترنت يتصورون (بارلو، 1996؛ غالوي، 2004؛ قيصر، 2019؛ سنودين، 2019؛ والتش، 2019). ومنحت هذه الخصائص ”قوة سردية“ مهمة لطوبولوجيا الشبكة الموزعة (رييرز وكوكلبيرغ، 2018) وإلى رسومات شبكة باران البيانية (الموضحة أعلاه) فيما يتعلق بأنماط السلطة وكذلك طوبولوجيات الشبكة.

ويمكن أن تنطبق مفاهيم المركزية / واللامركزية / والموزعة على كل من الشبكات الحسية والافتراضية، بحيث تزيد من قوة جاذبيتها وقابليتها للتطبيق. ويشكل الإنترنت نفسه شبكة لامركزية راسخة (مع اتصالات فعلية حسية بين العقد) ولكننا غالبًا ما نراه شبكة افتراضية مركزية عندما نتصل بخوادم الويب المركزية وخدماتها ومنصاتها.

سمحت بنية العميل – الخادم الافتراضية، التي تتم تقويتها من خلال كل من نماذج الأعمال والوسائل التقنية، لشركات مثل أمازون وفيسبوك وغوغل بإرساء شبكات افتراضية عالية المركزية للاتصالات أو التجارة عبر الشبكات اللامركزية الملموسة (فان ديك وآخرون، 2018). وردًّا بشكل جزئي على الطبيعة شديدة المركزية لخدمات الإنترنت الرئيسية (البحث والاتصال وتوزيع المحتوى)، اقتُرحت بدائل لامركزية أو موزعة (مثل Mastodon، Solid، الخ...). ولكن تصاحب اللامركزية، وخصوصًا الشبكات الموزعة، تحديات تقنية معينة.

 

التحديات في الأنظمة الموزعة

تثير اللامركزية الراديكالية، أي طوبولوجيات الشبكة الموزعة، تحديات فريدة، مثل تلك المتعلقة بالتنسيق وتحمل الأخطاء. لا يوجد مركز تحكم وحيد في الشبكات الموزعة يمكنه أن يضمن التنسيق في الشبكة. بل إن الشبكات الموزعة منظمة من خلال البروتوكولات التي تضع القواعد العامة والمعايير الفنية التي تحتاج العقد لاتباعها لتكون قادرة على الانضمام إلى الشبكة (غالوي، 2004).

الدوران الأهم للبروتوكولات في الشبكات الموزعة هما (١) تسهيل التنسيق أو ”التوافق“ في الشبكة، (٢) وأن تجعل النظام يتحمل الأخطاء. وتعتبر قواعد التنسيق ضرورية بما أن لا وجود لعقدة وحيدة تملك نظرة كاملة وثابتة ومباشرة لحالة النظام. وهناك مشكلة تنسيق مدروسة في هذا المجال وهي مشكلة "الإقصاء المتبادل"،عندما تكون هناك موارد حرجة (مثلاً آلة طابعة على شبكة) مشتركة بين عدة عقد، وحيث تحتاج واحدة من العقد وصولاً حصريًا إلى المورد مرة كل فترة، وذلك لإنجاز مهمة ما (وإلا ستتعرض صفحات عدة وثائق للتشوه عند طباعتها) (ديكسترا، 1983). وتشمل تحديات التنسيق الأخرى التوجيه Routing بفعالية ومشاركة المعلومات الكلية عن حالة الشبكة والتعامل مع الأخطاء الموجودة في الشبكة.

وتستلزم مشكلة تحمل الأخطاء أن يُنظر إلى كيفية ضمان بقاء الشبكة ككل عاملة بينما تتعطل بعض المكونات. ويضع المصممون والمهندسون في الحسبان عدة سيناريوهات تعطل للأنظمة الموزعة: حيث تصبح العقد غير متاحة أو أن يظهر سلوك غير متوقع أو غير محسوب، بالإضافة إلى ما يسمى بالأعطال "البيزنطية" حيث تجرب العقد سلوكًا خبيثًا أو متلاعبًا أو هدامًا. وتتواجد تحت ظروف معينة بروتوكولات الاتفاق البيزنطي التي تسمح للنظام بالاتفاق على حل حتى وإن كان ثلث العقد على الأكثر مخطئة أو خبيثة (لامبورت وآخرون، 2019). لكن الشبكات غير المتزامنة بالكامل (حيث لا توجد حدود زمنية) ترفض الحلول لمشكلة الاتفاق البيزنطي (فيشر وآخرون، 1985).

يمكن للمعماريات الموزعة أن تزيد تحمل أخطاء الشبكة عن طريق زيادة مقدار العقد التي نحتاجها لتكون مخطئة من أجل تسوية الشبكة بأكملها، ولكن هذا التوزيع غالبًا ما يكون مكلفًا. فعلى سبيل المثال، قد يزيد التوزيع الجغرافي المرونة تجاه الكوارث البيئية مثل أن يكون انقطاع الكهرباء المؤثر على العقد في مكان واحد غير مؤثر على العقد في مكان آخر، بالتالي يبقي الشبكة عاملة. ولكن بالمقابل، هذا التوزيع الجغرافي يطرح حالات ضعف لاتصال الشبكة.

إن البروتوكولات، مثل بروتوكول الإنترنت TCP/IP، أو حتى شيء أكثر تعقيدًا مثل بروتوكول عملة بتكوين لا تعرف ولا تنظم جميع الجوانب وجميع السلوكيات الممْكنة للنظام وداخله. ونظريًا، تنشأ الصفات الكلية لنظام موزع من السلوك الظاهر الذي تسببه القرارات الداخلية التي تتخذها العقد الداخلية بناء على المعلومات الداخلية فقط. لكن بعض الأعطال التي تظهر من الأفعال المستقلة للعقد الفردية نظامية بطبيعتها. ولا توجد لدى الأعطال النظامية حلًا ضمن الشبكة ولا في قواعد البروتوكول التي تحكم جوانبه الفنية، وتتطلب شكلاً من أشكال التحكم الخارجي، مثل الحوكمة المؤسسية، لمعالجتها. على سبيل المثال، صيانة وتطوير البروتوكولات التي تحكم الشبكات الموزعة غالبًا ما تكون خاضعة لسيطرة أشكال السلطة المركزية أو الهرمية أو المغلقة أو الكاريزمية، مثل المؤسسات البيروقراطية والحكم بناء على الجدارة الهندسية أو القادة أصحاب الكاريزما (أونيل، 2014). بناء على ذلك، تخضع التغييرات والتطويرات على طبقة البروتوكول ومعالجة المشاكل القائمة خارج اختصاص البروتوكول الموجود وتحكمها آليات حوكمة خارجية (كاتزنباخ والوبريشت، 2019) مثل مؤسسات تتخذ القرارات وآليات الرقابة والتنفيذ والحكم القانوني عن طريق تعليمات... الخ.

دون أطر الحوكمة هذه، قد تواجه الشبكات الموزعة بناء على المشاركة الطوعية انقسامًا أو ”تفرعًا Forking“ وإيجاد شبكات جديدة بقواعد جديدة. الأفرع الناجحة في الشبكات نادرة: فإعداد شبكة جديدة دائمًا ما يكون مكلفًا، وهناك خطر بأن تتعطل إحدى الشبكتين أو كلتاهما، في الحالة الأولى بسبب القواعد السيئة وفي الأخرى بسبب نقص الدعم الكافي (ازوفي وآخرون، 2018). وتطرح آليات الحوكمة الخارجية ذات التعقيد الأعلى مفاضلات وتضاربات بين الطبقات المختلفة للشبكة ودرجة لامركزيتها وفعاليتها. وعلى الرغم من الجهود المختلفة حتى اليوم، لم تكن هناك شبكة موزعة قادرة على تطوير شكل موزع وفعال للحوكمة تكون قادرة على أن تمزج بسلاسة بين الجوانب التقنية والإنسانية لوضع القواعد والحل والتنفيذ و/أو إزالة المكونات البشرية الفوضوية من عملية الحوكمة (ازوفي وآخرون، 2018؛ دي فيليبي، 2019؛ دي فيليبي ولوفلوك، 2016؛ وميديل وآخرون، 2017؛ ورييرز وآخرون، 2016).

على الرغم من ذلك ونظرًا لنجاح التطبيقات الموزعة العملية مثل أنظمة الند للند Peer to Peer (بيوفورد وآخرون، 2009)، وسلسلة الكتل والسجلات الموزعة (بوتيرين، 2013؛ ناكاموتو، 2008؛ نارايانا وآخرون، 2016) والحوسبات متعددة الأطراف الآمنة (كرامر وآخرون، 2015؛ ياو، 1982)، اقتُرحت اللامركزية "الراديكالية" مرة أخرى في نطاقات أخرى (بودو وجانوبولو، 2019).

 

 

تمت إعادة نشر هذا المقال من موقع Internet Policy Review وفقاً لرخصة المشاع الإبداعي - Creative Commons، للإطلاع على المقال الأصلي.